السيد محمد تقي المدرسي

180

من هدى القرآن

إلى المؤمنين خيام ، وللمؤمنين قصور تنزل الحور من الخيام إلى القصور ] « 1 » فيهن يقصرن . وفي حديث الإمام الصادق عليه السلام يشير إلى هذا المعنى قال : « الحُورُ هُنَّ البِيضُ المَضْمُومَاتُ المُخَدَّرَاتُ فِي خِيَامِ الدُّرِّ واليَاقُوتِ والمَرْجَانِ لِكُلِّ خَيْمَةٍ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ عَلَى كُلِّ بَابٍ سَبْعُونَ كَاعِباً ( الجارية حين يبدو ثديها ) حُجَّاباً لَهُنَّ ويَأْتِيهِنَّ فِي كُلِّ يَوْمٍ كَرَامَةٌ مِنَ الله عَزَّ ذِكْرُهُ لِيُبَشِّرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِهِنَّ المُؤْمِنِينَ » « 2 » ، وقال النبي صلى الله عليه وآله : « الخَيْمَةُ دُرَّةٌ وَاحِدَةٌ طُولُهَا فِي الهَوَاءِ سِتُّونَ مِيلا » « 3 » فهن ملكات الجنة وحولهن الوصائف وهذا مما يعد الله الخائفين مقامه ، ولا ريب في أن الوعد الإلهي يلتقي بعمق وشمول مع تطلعات الإنسان ، وإن الجنة هي الصورة الفضلى التي يصوغها الإنسان بعمله في الدنيا ، وإن المؤمن لا يتطلع إلى أي زوجة ، وإنما يبحث في شريكة حياته عن صفات معينة ، وأهمها العفة والطهر ، لأنهما عنوان الأسرة الصالحة ، وما هي قيمة العيش مع شريكة يمتد طرفها ، وتبيع طهرها ؟ ! أم كيف تكون الأسرة مصنعا للأجيال الفاضلة ، وتأخذ موقعها ودورها في بناء المجتمع إذا كانت الأم لا تعرف العفاف ؟ ! . إن وعد الله للمؤمنين أن ينعم عليهم بالحور الباكرات ، ليس فقط إرضاء للتطلعات الجنسية عند الإنسان ، بل وقبل ذلك يحقق تطلعاته المعنوية إذ إن الفتاة العذراء أشد حبًّا لزوجها وإخلاصًّا من المرأة التي تزوجت قبله . وكلمة أخيرة : لعلنا نستفيد من ذكر القرآن لصفات الحور هنا وهي الأخلاق الطيبة خَيْرَاتٌ ، والجمال حِسَانٌ ، والعفة والطهر مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ولَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ، إن هذه الصفات هي غاية ما ينبغي للمؤمن التطلع إليه في زوجته ، لتكون حياته معها سعيدة فاضلة . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 73 ) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ نعم . . هذا وعد الله ، وإن المؤمن لتواجهه مختلف الضغوط باتجاه الانحراف عن الحق ، استجابة لشهواته ، وربما لعبت شهوة البطن ، والجنس ، وحب الراحة دورا في تخلفه عن مقام الخائفين من مقام ربهم ، ولكنه إذا ما تذكر الآخرة وما وعد الله المطيعين له الخائفين منه من النعيم ، فسوف يقاوم الضغوط ويُميت فيه الشهوة الحرام ، ويستجيب لنداء ربه : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يقول : « لَا ، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ آلَائِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ » ، ويعمل على تحقيق ذلك في حياته ، ثم لماذا يكذب بها وهو يعلم أن ذلك النعيم لا ينال إلا بالتصديق ؟ ! .

--> ( 1 ) التفسير الكبير : ج 29 ، ص 135 . ( 2 ) الكافي : ج 8 ، ص 156 . ( 3 ) بحار الأنوار : ج 8 ، ص 107 .